سليمان يوسف يوسف
في السابع من آذار الجاري من المقرر أن تجرى في العراق انتخابات برلمانية جديدة. وصفت بأنها ستكون مصيرية ومفصلية بالنسبة للمستقبل السياسي للعراق الجديد،و"الفدرالية"المستحدثة في ظل احتلال أمريكي، أزاح الطاغية "صدام حسين" عن السلطة، وهو(الاحتلال) يستعد للرحيل عن العراق وترك شعوبه وأقوامه تتخبط في الفوضى السياسية والأمنية التي تسبب بها.القانون الجديد للانتخابات البرلمانية، حجز للمكون المسيحي(خمسة) مقاعد من أصل 323 مقعداً نيابياً،وفق نظام "الكوتا"(التمثيل النسبي) الذي اعتمده وخص به المسيحيين،وذلك لضمان تمثيلهم في السلطة التشريعية وتعزيز مشاركتهم في العملية السياسية.أياً تكن الأسباب والظروف التي أملت أو شرعت تخصيص مقاعد نيابية للمسيحيين،شكل نظام "الكوتا"خطوة جديدة باتجاه تكريس وقوننة المحاصصات الطائفية والمذهبية والاثنية في الحياة السياسية للعراق الجديد.هذه الخطوة تأتي بعد فشل "الديمقراطية العراقية"،ديمقراطية "الغالبية الطائفية" التي أفرزها الاحتلال الأمريكي وأنتجها الواقع العراقي المأزوم،فشلها في انصاف المسيحيين،غالبيتهم من "الكلدوآشوريين"، الشريحة الأكثر التصاقاً بالوطن العراقي والضاربة جذورها قِدماً في أرض الرافدين، والتي تميزت بدورها التنويري والحضاري في بناء ونهضة الدولة العراقية الحديثة.رغم أن عدد المقاعد النيابية المخصصة للمسيحيين جاءت أقل من الحد الأدنى الذي تطمح اليه وتطالب به النخب المسيحية،لاقى نظام "الكوتا" ترحيباً من قبل مختلف الأوساط المسيحية وشكل ارتياحاً نسبياً في المجتمع المسيحي،فضلاً عن أنه شكل حافزاً كبيراً للقوى والأحزاب الكلدوآشورية والمسيحية عموماً لخوض معركة الانتخابات البرلمانية المقبلة.فقد بدأ التنافس حامياً على المقاعد الخمسة بين أكثر من خمسين مرشحاً يتوزعون على سبع قوائم انتخابية،متقاربة في شعاراتها السياسية وفي برامجها الانتخابية. أبرز هذه القوائم "قائمة الرافدين"يتزعمها النائب الآشوري "يونادم كنا"،(النائب الوحيد الذي دخل البرلمان بأصوات المسيحيين في انتخابات 2005)، وهو سكرتير "الحركة الديمقراطية الآشورية"،القريبة من التيارات العلمانية والليبرالية والقوى العربية الوطنية العراقية.لهذا فهي(قائمة الرافدين) تبدو الأوفر حظاً في الفوز بأغلبية مقاعد المسيحيين.تليها قائمة "أور الوطنية"، التي يتزعمها النائب عن التحالف الكردستاني "ابلحد أفرام"،السكرتير العام للحزب "الديمقراطي الكلداني"،هذه القائمة تحظى بدعم ومساندة الكنيسة الكلدانية، كبرى الكنائس المسيحية في العراق.ثم تأتي قائمة "المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري" المدعومة بقوة،مادياً ومعنوياً، من قبل الحكومة الكردية في اربيل، التي يسيطر عليها الحزبان الكرديان الرئيسيان، "الديمقراطي الكردستاني" بتزعمه رئيس الاقليم الكردي السيد مسعود البرزاني و"الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني.
فيما يخص وجهة صوت الناخب المسيحي في هذا الاستحقاق الانتخابي وفي جميع الانتخابات الأخرى، لا يجب اهمال أو تجاهل موقف "المؤسسة الكنيسة"التي يعتبرها غالبية المسيحيين مرجعيتهم الأولى والأساسية، وذلك بحكم انتمائهم التاريخي لها وارتباطهم الاجتماعي بها.فرغم اعلان رؤساء الكنائس وقوفهم على مسافة واحدة من جميع المرشحين ،من المتوقع أن تلعب الكنيسة، وان بشكل غير مباشر، دور مهماً وأساسياً في تحديد اتجاه صوت الناخب المسيحي في الانتخابات البرلمانية. وما يزيد من نفوذ وسلطة الكنيسة في المجتمع المسيحي هو ضعف وتشرذم الاحزاب المسيحية، (الآشورية- الكلدانية- السريانية)وعجزها عن القيام بالحد الأدنى من مسؤولياتها تجاه محنة المسيحيين وحمايتهم من إرهاب الجماعات الاسلامية وغير الاسلامية.
رغم مشاعر الارتياح التي تركها التمثيل النسبي في،الشارع المسيحي،ثمة مخاوف مسيحية من أن لا يأتي نظام "الكوتا" بممثلين حقيقيين عن المسيحيين الى البرلمان.الخوف من أن يصبح التمثيل المسيحي مشوهاً وناقصاً وصورياً ومجرد ديكور يزين البرلمان العراقي. وهي من دون شك مخاوف مشروعة ومبررة في ظل التجاذبات السياسية والاصطفافات الطائفية والمذهبية والاثنية والمناطقية التي تعصف بالساحة العراقية وتحيط بالعملية الانتخابية التي يشكك معظم المراقبون بنزاهتها وشفافيتها،وفي ظل الحديث عن "المال السياسي" الكبير جداً الذي سينفق لشراء الذمم وأصوات الناخبين،خاصة وقد أعطى قانون الانتخاب حق التصويت واختيار المرشحين للمقاعد المسيحية لجميع العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.وهذا يعني امكانية أن يدخل هذا المرشح المسيحي أو ذاك الى البرلمان بأصوات المسلمين(العرب والأكراد والتركمان وغيرهم)، بغض النظر عن عدد أصوات المسيحيين التي سيحصل عليها وعن مدى حرصه على الدفاع عن قضايا المسيحيين وعن مصالحهم الحقيقة.
صحيح أن خمسة نواب مسيحيين لن يكون لهم تأثير أو وزن مهم في المعادلة السياسية العراقية، لكن يبدو أن هذه الأصوات الخمسة تهم كثيراً حكومة اربيل في تعزيز موقع التحالف الكردستاني في الحكومة المركزية و لأجل تقرير مصير المناطق المتنازع عليها مع حكومة بغداد،خاصة المناطق التي تحتضن التجمعات الآشورية والمسيحية التاريخية،مثل" سهل نينوى"الحيوي الفاصل بين محافظة دهوك الكردية والموصل العربية السنية.لهذا تعمل القوى الكردية جاهدة لانجاح المرشحين المسيحيين الذين يدورون في فلكها ويخضعون لاملاءاتها السياسية.وبالفعل أحتج بعض رؤساء القوائم المسيحية،عبر تصريحات لهم لوسائل الاعلام،على صدور توجيهات من حزب "الاتحاد الديمقراطي الكردستاني"،لكوادره ومناصريه بضرورة دعم ومساندة قائمة(المجلس الشعبي الكلداني السرياني)الذي ترعاه الحكومة الكردية.
كما في كل الاستحقاقات السياسية والانتخابية السابقة،بدأ مسيحيو العراق يدفعون مجدداً من أرواحهم ودمائهم ثمن الاستحقاق الانتخابي الجديد. ففي الأسابيع الماضية تصاعدت وبشكل مخيف وتيرة الهجمات الارهابية ضد أبناء مدينة الموصل من المسيحيين.تسببت هذه الهجمات في مقتل عشرات الأبرياء ونشر الرعب بين السكان الآمنين،كما تسببت بقوافل جديدة من النازحين والمهجرين المسيحيين.طبعاً،هذه الأوضاع الشاذة ستؤثر سلباً على حجم مشاركة المسيحيين في الانتخابات البرلمانية المقبلة.وقد خرجت بعض الأصوات تطالب المسيحيين بمقاطعة هذه الانتخابات،احتجاجاً على ما يتعرضون له من عمليات تطهير ديني وعرقي من مناطقهم التاريخية،والتي يصفها البعض بـ"الجرائم ضد الانسانية".وما يزيد من استياء وسخط المسيحيين، تلكؤ حكومة المالكي وعدم اكتراثها بكل النداءات،المحلية والدولية،المطالبة بتوفير الحماية الوطنية للمسيحيين، وعدم جدية الحكومة في التحقيق في الجرائم الفظيعة التي تحصل بحقهم والكشف عن الجناة الحقيقيين الذي يقفون خلفها.هذا الموقف السلبي لحكومة المالكي دفع بالعديد من المراقبين والمتتبعين للشأن العراقي للربط بين استمرار محنة المسيحيين وبين الخلافات السياسية الحادة القائمة بين أطراف سياسية عربية في الموصل موالية لحكومة بغداد وأخرى كردية موالية لحكومة اربيل.
أخيراً: سيبقى الهاجس الأول والأساسي لمسيحيي العراق، ليس من سيمثلهم في البرلمان الجديد، وانما من سيوفر لهم الأمن والاستقرار ويضمن عودتهم الى منازلهم وأماكن عملهم ويضمن وصول أولادهم الى المدارس والجامعات بأمان ويضع حداً لدورة العنف الممنهج الذي يستهدفهم من دون سبب أو مبرر.
سوريا
مهتم بقضايا الأقليات
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته





